رئيس النيابة العامة يترأس حفل تقديم دليل تفعيل مقتضيات شروط التشغيل المتعلقة بالعاملات والعمال المنزليين

نص كلمة السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض رئيس النيابة العامة

بسم الله الرحمان الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.

السيد وزير الشغل والإدماج المهني؛

السيدة مديرة مكتب منظمة العمل الدولية لدول المغرب العربي؛

حضرات السيدات والسادة؛

يشرفني أن أشارك في افتتاح هذا اللقاء المخصص لتقديم دليل عملي بشأن التنسيق بين النيابة العامة ومصالح تفتيش الشغل من أجل إعمال مقتضيات القانون رقم 19.12، بشأن تحديد شروط التشغيل والشغل المتعلقة بالعاملات والعمال المنزليين. والذي انكب على إعداده فريقُ عملٍ، مكون من أطر رئاسة النيابة العامة ووزارة الشغل والإدماج المهني.

وهي مناسبة سانحة للتنويه بمبادرة إنجاز هذا العمل المشترك، والتي تعد تكريساً لمبدأ التعاون بين سلطات الدولة. هذا التعاون الذي التزمت به رئاسة النيابة العامة باعتبارها جزءً من السلطة القضائية، منذ تأسيسها. بحيث تسعى باستمرار نحو تعزيز التنسيق مع الفاعلين الأساسيين والمؤسسات الرسمية المختصة.

وهي فرصة مناسبة، لتقديم خَالص الشكر والامتنان للسيد وزير الشغل والإدماج المهني، من أجل التعاون البناء مع رئاسة النيابة العامة. والذي توج بإصدار هذا الدليل المفيد. كما أنها مناسبة لأؤكد استعداد رئاسة النيابة العامة للاستمرار في العمل المشترك والتنسيق الدائم مع وزارة الشغل والإدماج المهني في البرامج التي تهمهما معاً، من أجل تحقيق الفعالية المرجوة في مجال الحماية الاجتماعية وضمان الظروف الآمنة للعمل.

حضرات السيدات والسادة؛

لا يخفى عليكم، ونحن على بعد أربعة أيام من الاحتفال بالذكرى الثانية لدخول القانون رقم 19.12 بشأن تحديد شروط التشغيل والشغل المتعلقة بالعاملات والعمال المنزليين حيز التنفيذ، أن المسار الذي قطعه هذا القانون قبل تبنيه من طرف المشرع المغربي، والنقاش الذي صاحب الموضوع من قبل مختلف الفاعلين والمهتمين والمتدخلين، قد طبعته الرغبة في رفع الحيف والتهميش عن فئات العاملات والعمال المنزليين، والحد من وضعيات الاستغلال والهشاشة والحرمان التي قد يعانون منها. وأنه بنشر القانون المذكور في الجريدة الرسمية، وصدور المرسومين التطبيقيين له، المتعلقين بنموذج عقد العمل الخاص بالعاملة والعامل المنزلي، وتتمة لائحة الأشغال الخطرة التي يمنع فيها تشغيل العاملات والعمال المنزليين المتراوحة أعمارهم ما بين 16 و18 سنة خلال الفترة الانتقالية، تنتقل ظروف العمل المنزلي إلى مستوى قانوني منظم، يوفر الحماية الضرورية لهذه الفئة من الشغيلة. وهو الهدف الذي استحضر فيه المشرع المغربي ضرورة ملاءمة القانون الوطني مع الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من طرف بلادنا، والتي بوأها دستور المملكة مكانة الصدارة، وذلك بإيجاد إطار قانوني لحماية العاملات والعمال المنزليين، وضمان توفير شروط عمل لائقة بهم. وهو تأكيد لانخراط المملكة المغربية تحت القيادة الرشيدة والمتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في منظومة حقوق الإنسان الكونية، سيما ما يتعلق منها بالحماية الاجتماعية. وهو ما عبر عنه جلالته في العديد من المناسبات، كان آخرها خطاب العرش للسنة الجارية حيث قال جلالته : “إن الهدف من كل المشاريع والمبادرات والإصلاحات التي نقوم بها، هو النهوض بالتنمية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.

ويأتي في مقدمة ذلك، توفير الحماية الاجتماعية لكل المغاربة، التي ستبقى شغلنا الشاغل، حتى نتمكن من تعميمها على جميع الفئات الاجتماعية” )انتهى النطق الملكي السامي(.

وفي هذا الاتجاه، تسعى السلطات العمومية إلى بلورة رؤى جلالة الملك عبر عدة إنجازات ومبادرات، من بينها القانون رقم 12-19. في تناغم مع منظمات المجتمع المدني المعنية بالموضوع، تأكيداً لرؤية الدستور في بناء سياسات عمومية تشاركية. وفي هذا الصدد تأتي جهود المرصد الوطني لحقوق الطفل برئاسة سمو الأميرة للامريم، المتكررة والمتواثرة، من خلال إقامة حملات تحسيسية واسعة سنة 2000 و2007 لمناهضة تشغيل القاصرات كعاملات منزليات. وإطلاق برامجَ لِدَعم جهودِ المجتمع المدني في الوقاية من هذه الظاهرة. بالإضافة إلى المساهمة البناءة في المسار التشريعي، من خلال تقديم ملاحظات واقتراحات على مشروع القانون رقم 19-12 خلال مرحلة إعداده. وهي مناسبة لتقديم الشكر والامتنان لسمو الأميرة الجليلة، من أجل التعاون الجاد الذي يتم بين رئاسة النيابة العامة من جهة، والمرصد الوطني لحقوق الطفل، وكذلك الاتحاد الوطني لنساء المغرب، في مجال حماية الأطفال والنساء من جهة أخرى. والذي يجسد نموذجاً يحتدى للتعاون بين المؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني.

حضرات السيدات والسادة؛

إن القوانين مهما بلغت من دقة في النص، وجودة في الصياغة، لا تحقق الغاية المرجوة منها، إلاَّ إذا توفرت لها مهارة القائمين على إنفاذها، وانخراطهم الإيجابي والواعي في تفعيل مقتضياتها. وهو أمر لن يتم إلا بالإيمان بهذه القضية الاجتماعية العادلة، وتسخير الوسائل الكفيلة لإنجاز المهام على أحسن وجه. مع تيسير وسائل العمل وتوحيدها، وتبسيط الإجراءات وفتح الأبواب أمام المرتفقين، سواء للإرشاد والتوعية، أو من أجل التظلم والتشكي وتطبيق المساطر القانونية.

كما أن الأمر يتطلب تكثيف التنسيق والتعاون بين مختلف الجهات المعنية بتطبيق القانون رقم 12-19. الذي تتطلب مقتضياته تدخل عدة مصالح.
والجدير بالذكر أن رئاسة النيابة العامة، إيماناً منها بضرورة احترام القانون، واقتناعاً بأهمية تطبيقه، قد بادرت إلى إصدار الدورية رقم 49 بتاريخ 6 دجنبر 2018 حول صدور القانون رقم 19-12. والتي أوجزت فيها أهم مقتضيات النص التشريعي المذكور، وطلبت من النيابات العامة العمل على دراسته والاستعداد لتفعيله بالحرص اللازم. كما أوصت بدعم التخصص القضائي بشأنه، عن طريق تعيين نائب واحد أو أكثر يكلف بهذا النوع من القضايا. مع فتح قنوات التواصل مع الجهات المعنية بالتنسيق ولاسيما مفتشيات الشغل. ونستغل اليومَ تواجد السيدة والسادة الوكلاء العامين للملك معنا عن بُعْد، لتجديد هذه التوجيهات، باعتبار هذا القانون مكسباً حقوقياً لبلدنا، ينبغي العمل على تطبيقه بالحزم الواجب.

ومن هذا المنطلق، فإن الدليل العملي الذي نقدمه اليوم بمعية السيد وزير الشغل والإدماج المهني، يشكل أرضية مهمة للمتدخلين في إنفاذ القانون رقم 12-19، وهم على الخصوص، قضاة النيابة العامة، ومفتشو الشغل. كما أنه يشكل بالنسبة لهم مرجعاً هاماً يستندون عليه لكسب رهان التفعيل الجيد للمقتضيات الحمائية التي يوفرها القانون المذكور. وأداة عمل قيِّمة يسترشدون بها لتجاوز بعض الصعوبات التي قد يطرحها تفعيله.

أرجو الله عز وجل أن يوفقنا لنكون في مستوى الأمانة الملقاة على عاتقنا جميعا، وفي مستوى طموحات مجتمعنا التواق إلى العدل والانصاف الاجتماعي، وأن نكون على قدر تنفيذ توجيهات جلالة الملك محمد السادس أيده الله، الحريص على الاهتمام بكافة أطياف المجتمع، وعلى رفع الظلم، وحماية الفئات الهشة. وادعو الله تعالى أن يعجل برفع الجائحة عن عباده، ويشملهم برحمته الواسعة، ويسدل عليهم أردية الشفاء والسلامة.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض

رئيس النيابة العامة