كلمة رئيس النيابة العامة بندوة الدبلوماسية الموازية ودورها في خدمة القضايا الوطنية – الداخلة 14 نونبر 2019

حضرات السيدات والسادة الحضور

ليس غريباً أن تستضيف مدينة الداخلة، حاضرة جهة وادي الذهب هذه الندوة العلمية المتميزة، حول موضوع مميز، هو “الدبلوماسية الموازية”. فهذه المدينة سبق لها أن استضافت عدة لقاءات دولية في هذا النوع من الدبلوماسية الذكية. كاستضافتها لأربع دورات متتالية من منتدى كرانس منتانا الشهير.

ولذلك نعتقد أن موضوع هذا اللقاء، الذي يسلط الضوء على “الدبلوماسية الموازية ودورها المحوري في خدمة القضايا الوطنية”، ينسجم مع حركية هذا النوع من الدبلوماسية، التي تعرفها هذه المدينة الجميلة. التي تشرفتُ بالعمل في محكمتها خلال سنة 1980، بصفتي أول قاضٍ من المناطق الشمالية للمملكة، يسعده الحظ بالعمل بهذه المدينة خلال السنة الأولى من استرجاعها إلى حضن الوطن الحبيب. كانت المدينة قرية صغيرة تعوزها أغلب مقومات المدن. وها هي اليوم، ولله الحمد، تعتبر حاضرة المنطقة، ومدينة مهمة، ليس في جنوب المملكة فقط، ولكن كذلك بالنسبة للأقطار المجاورة. مما يجعلها قبلة للزوار من مختلف أرجاء العالم وهي اليوم في ظل القيادة الرشيدة لمولانا صاحب الجلالة، جهة تحظى بالأولوية التنموية من طرف جلالته.

ولذلك ستدركون أن اعتزازي شخصيا بالمشاركة في هذه الندوة لا ينبع فقط من أهمية الموضوع، ومن السرور الذي أشعر به كلما شاركتُ زملائي المحامين نشاطاً من أنشطتهم العلمية. ولكن كذلك من ذكرياتي بهذه المدينة، ومحبتي لسكانها، الذين استقبلوني منذ 39 سنة أحسن استقبال. وفتحوا لي قلوبهم وبيوتهم، وشاركوني طعامهم ودفء حديثهم. ولذلك فإن سعادتي بالتواجد في هذه المدينة يتقاسمها الحنين إلى ماض جميل، والنعيم بحاضر أجمل، أرى فيه سكان المدينة ينعمون بالأمن والأمان في حاضرتهم الجميلة. وقد حافظوا على قيم الكرم وحسن الاستقبال وحفاوة الترحاب.

وبالرجوع إلى موضوع ندوة اليوم، فكما لا يخفى عليكم، فإن هذا الموضوع قد حظي، ولا زال، خلال السنوات الأخيرة، باهتمام وتتبع كبيرين، سواء لدى السلطات الرسمية، أو لدى الرأي العام الوطني والدولي. بالنظر إلى الأدوار التي يمكن أن تؤديها الدبلوماسية الموازية في خدمة مختلف القضايا الوطنية.

وإذا كانت الدبلوماسية الموازية تتميز بطبيعتها التشاورية، التي تعني عدم الإلزامية. فإن هذه الطبيعة المميزة لها، هي ما يفتح المجال أمامها لتناول مواضيع شائكة، ومعقدة، بغية تقريب وجهات النظر الرسمية بشكل ودي وسلس، والتعبير عن تطلعات وآمال الرأي العام المحلي والوطني.

وتعد الدبلوماسية الموازية، بهذا المعنى، تلك الدبلوماسية التي لا تسير في الاتجاه المعاكس للدبلوماسية الرسمية. بل تعد مواكبة ومكملة لها. من خلال القيام بدور فعال ومهم، يرمي إلى إبراز تحقيق التكامل بينهما بعيدا عن كل تعارض. حيث يمكن القول أنه بإمكانها أن تشكل رافداً من أهم الروافد المدعمة والمساندة للدبلوماسية الرسمية. فالتقاطع بين مساريهما من شأنه أن يعزز العلاقات بين الدول بشكل عام، وأن يقرب بين الشعوب والأمم على وجه الخصوص ويخدم بالتالي إيجابا، القضايا الوطنية وفي مقدمتها قضية وحدتنا الترابية.

حضرات السيدات والسادة؛

إن الموضوع الذي نجتمع اليوم من أجل تدارسه، يتميز بتعدد الفاعلين المتدخلين فيه. من مؤسسات وهيآت مدنية وسياسية واقتصادية وأيضا قضائية. فالدبلوماسية القضائية تعد في طليعة الدبلوماسيات الحديثة المعول عليها للدفاع عن حوزة وطننا ووحدته، وتعزيز موقفه المشروع، بكل المحافل الدولية والقارية.

ولتحقيق هذه الغاية فإن المؤسسة القضائية، التي نتشرف بالانتساب إليها، أخدت على عاتقها اعتماد وتفعيل استراتيجية تواصلية ومقاربة منفتحة قوامها نسج علاقات متينة مع السلطات القضائية الأجنبية والمؤسسات والمنظمات الدولية، سواء كانت حكومية أو غير حكومية، والتي تعنى بموضوع العدالة والقانون، مكنت من خلق روابط تسمح بتمرير بعض المواقف التي تخدم المصالح العليا للبلاد والدفاع على مشروعية قضاياه الوطنية ووجاهتها بطرق مرنة.

وفي هذا الإطار، لابد من الإشارة، إلى أن مؤسسة النيابة العامة، من خلال رئاستها، باعتبارها جزء من السلطة القضائية، قد عملت منذ تأسيسها بتاريخ 07 أكتوبر 2017 مسنودة بالدعم الملكي السامي، ومؤطرة بالتوجيهات السديدة لصاحب الجلالة المنصور بالله، على استحضار الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه المؤسسة في الدفاع عن القضايا الوطنية الكبرى، حيث اعتمدت الدبلوماسية الموازية كإحدى أولوياتها، وعملت على ترجمتها واقعاً وممارسة، من خلال الانفتاح على باقي مؤسسات النيابة العامة القارية أو الدولية، وعلى العديد من المنظمات والمؤسسات الدولية التي تعنى بمجال العدالة. حيث مكنت الجهود المبذولة من طرف أطرها، من إبرام عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، التي تشكل إطارا للتعاون والشراكة، يمكن من خلاله تعريف المؤسسات الأخرى بالتطورات التي تعرفها بلادنا على المستوى القانوني والحقوقي وأيضا على المستوى القضائي، وتحسيسها بأهمية قضايانا الوطنية ووجاهة مواقف بلادنا اتجاهها.

ودعما للجهود الدبلوماسية الموازية عملت مؤسسة النيابة العامة إلى التنظيم – أحيانا- والمشاركة في عدة ندوات ومؤتمرات علمية وطنية ودولية تهم مجال العدالة والقضاء، والتي كانت مناسبة للدفاع عن القضايا المغربية بغيرة ووطنية. وقد شكل مؤتمر مراكش الدولي للعدالة الذي انعقد مؤخراً بتاريخ 21 و 22 أكتوبر 2019، حول موضوع العدالة والاستثمار التحديات والرهانات، فرصة ليجري رئيس النيابة العامة عدداً من المباحثات مع رؤساء النيابات العامة الأجنبية المشاركة، وكذلك لإبرام مجموعة من اتفاقيات شراكة معها، من أجل تعزيز سبل التعاون القضائي في المجال الجنائي، بغاية مكافحة الجرائم المنظمة، والإرهاب، وغسل الأموال، والفساد المالي، وغيرها من الجرائم الخطيرة. باعتبار مكافحتها قاسما مشتركا، يمكن بفضله تحقيق أمن وأمان المواطنين والحفاظ على استقرار المجتمع وإبراز الدور الريادي لبلادنا في هذا الإطار على المستوى الدولي.

والجدير بالذكر أن الجهود المبذولة من طرف مؤسسة النيابة العامة، في إطار حرصها على نهج دبلوماسية موازية تخدم المصالح الوطنية، مكنت رئاسة النيابة العامة من الحصول على عضوية الجمعية الدولية للمدعين العامين. كما مكنتها من الظفر بمنصب نائب رئيس جمعية المدعين العامين بإفريقيا. وأيضا منصب نائب رئيس جمعية النواب العموم العرب. وكذا عضواً ملاحظاً بالمجلس الاستشاري للوكلاء الأوروبيين. وكلها منابر مناسبة للتعريف بالمؤسسة القضائية المغربية بشكل عام ومؤسسة النيابة العامة بشكل خاص، وأيضا للدفاع عن القضايا الوطنية بشكل يعكس انخراط رئاسة النيابة العامة في هذه الدينامية الجديدة بتفان، خدمة لوطننا، وانتصارا لقضيتنا الوطنية.

وهو انخراط لا نفوت فرصة من الفرص للتعبير عن التزامنا بالقيام به بوطنية صادقة وإيمان تام بمصالح وطننا وبقضايا العدالة، كما يتم ذلك خلال كواليس المؤتمرات والندوات والأيام الدراسية، والجدير بالذكر أن مساهمة رئاسة النيابة العامة في مجال الديبلوماسية الموازية، تنضاف إلى المجهودات الأخرى لمكونات العدالة، التي تبذل جهوداً جبارة في التعريف بقضايا بلادنا وبشؤون العدالة، وفي مقدمتها المجلس الأعلى للسلطة القضائية وجمعية هيئات المحامين بالمغرب ونقابات المحامين، والجمعيات القضائية والتنظيمات المهنية الأخرى للمهن القضائية. وهو ما يجعل الديبلوماسية القضائية من بين الديبلوماسيات الموازية الأكثر نشاطاً والأوسع تنوعاً، ولهيئات المحامين بالمغرب فيها جولات تاريخية صدحت فيها حناجر النقباء والمحامين بمرافعات قانونية وحقوقية رصينة وقوية كانت نتائجها مفيدة في دحر الأباطيل وإسقاط الأطروحات الكيدية لأعداء وحدتنا الترابية.

ولذلك فإنني أجدد الشكر لهيئة المحامين بأكادير، العيون، ولباقي الجهات المنظمة لهذه الندوة لأجل اختيار الموضوع واختيار المكان الصالح لتنظيمه.

وفي ختام هذه الكلمة، أجدد شكري وامتناني لكم السيد النقيب حسن وهبي على دعوتكم الكريمة، مع متمنياتي لأشغال ندوتكم العلمية بالتوفيق والسداد، لما فيه مصلحة الوطن والمواطن في ظل التوجيهات الملكية السامية لجلالة الملك نصره الله وأيده.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.