كلمة الوكيل العام للملك، رئيس النيابة العامة بمناسبة افتتاح السنة القضائية 30 يناير 2019

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وآله وصحبه

– السيد الرئيس الأول؛
– السادة رؤساء الغرف ورؤساء الهيئات والمستشارون أعضاء المحكمة الموقرة؛
– حضرات الضيوف والحضور الكريم؛

تعتبر هذه الجلسة الرسمية المنعقدة للإعلان عن افتتاح السنة القضائية 2019، مناسبةً سانحة لانفتاحِ القضاء على محيطه، وإطلاعِ المواطنين على أهمِ توجهات الاجتهاد القضائي، والإعلانِ عن بعض الإحصائيات المتعلقة بسير القضايا بالمحاكم، ولاسيما محكمةُ النقض. ولذلك فإن حضورَكُم بيننا، حضرات الضيوف الكرام، هو مصدر سعادة للجسم القضائي، الذي يَعْتَبِر تلبيتكم للدعوة، دعماً لاستقلال السلطة القضائية الناشئة وإيمانا بدورها في تحقيق التوازن داخل المجتمع، والحفاظ على استقرار المعاملات وحماية الأمن والنظام العام وصون الحقوق والحريات.

لأجل ذلك، يشرفني باسمي، وباسم جميع قضاة النيابة العامة أن أتقدم إليكم بالشكر، وأعبر لكم عن أصدق مشاعر الامتنان والتقدير.

السيد الرئيس الأول؛

حضرات السيدات والسادة أعضاء هيئة المحكمة؛

يأتي افتتاح السنة القضائية هذا العام، وقد أتمت مؤسسة رئاسة النيابة العامة السنة الأولى من وجودها كمؤسسة قضائية تنتمي للسلطة القضائية المستقلة. وإذا كان هذا الاستقلال قد تم في نطاق أحكام الدستور، وتنفيذاً للقانونين التنظيمين حول المجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة، فإن النيابة العامة مدينةٌ بتنزيل استقلالها إلى السدة العالية بالله، جلالةُ الملك محمد السادس نصره الله، حيثُ تمكنتْ رئاسة النيابة العامة أن ترى النور في الإبان المحدد قانوناً بفضل الدعم الملكي والعناية السامية لأمير المؤمنين. وهي فرصةٌ لتقديم الشكر والثناء لجلالة الملك وتجديد عزم أعضاء النيابة العامة للوفاء لتعليماته السامية بالاضطلاع بمهامهم بإخلاص لمبادئ العدل والإنصاف، في احترام تام للقانون، والدفاع عن الحق العام والذود عنه، وحماية النظام العام والعمل على صيانته، والحرص على صيانة حقوق وحريات المواطنين والمواطنات في إطار من التلازم بين الحقوق والواجبات.

كما أنها مناسبة سانحة لنتقدم للسلطتين التشريعية والتنفيذية بوافر التقدير من أجل التعاون المثمر والبناء، ولما أبانت عنه الحكومة والبرلمان من احترام لاستقلال السلطة القضائية، وإرادة واضحة في التعاون معها في إطار روح الدستور، وبناءً على مقتضياتِ فصله الأول.

كما أنها مناسبةٌ للنيابةِ العامة للثناء على جهود مساعديها وشركائها في العمل، ولاسيما مصالحُ الشرطة القضائية التابعة للأمن الوطني وإدارة مراقبة التراب الوطني والدرك الملكي وباقي مكونات الشرطة القضائية، ولهيئات الدفاع وموظفي كتابات الضبط وكتابات النيابة العامة وباقي مساعدي العدالة، ومصالح السجون والمالية.

ولا تفوتني المناسبة في أن أتقدم بأصدق عبارات الشكر لأعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية، الذي يقود بهدوء سفينة السلطة القضائية المستقلة، ويدعمُ جهودَ رئاسة النيابة العامة في رسم حدود استقلالها والاضطلاع بمهامها كما أطرها الدستور والقوانين. والشكرُ موصولُ لكافة السادة رؤساء الغرف والمستشارين بمحكمة النقض وللسادة الرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف ورؤساء مختلف المحاكم والمستشارين والقضاة، من أجل الجهود المتميزة التي بذلوها خلال هذه السنة للوفاء لمهمتهم والرفع من نجاعة أداء المحاكم.

كما أتقدم بالشكر للسيد رئيس كتابة الضبط بمحكمة النقض ورئيس كتابة النيابة العامة بها، ولسائر أطر وموظفي الكتابتين من أجل العمل الجاد الذي يقومون به بتفان وإخلاص لواجبهم المهني المقدس.

وبطبيعة الحال، فإن السيد المحامي العام الأول والمحامين العامين بمحكمة النقض، والسادة الوكلاء العامين للملك ووكلاء الملك لدى مختلف المحاكم ونوابهم، وقضاة وأطر رئاسة النيابة العامة، يستحقون مني وقفة طويلة للإشادة بأدائهم المتميز، ونضالهم اليومي في سبيل خدمة مبادئ العدالة والوفاء لقيم الإنصاف، والاضطلاع بدورهم في تطبيق القانون والدفاع عن المجتمع وحماية حقوق وحريات الأشخاص والجماعات. وهي جهود أصبح المجتمع يلمس نتائجها ويذوق ثمارها من خلال حرص النيابة العامة على التواصل مع المحيط، والتفاعل مع قضايا المجتمع والمبادرة التلقائية إلى الدفاع عن مصالحه. راجياً أن يستمروا في تعبئة صفوفهم للاضطلاع بهذه المهام من أجل إعطاء صورة واضحة للمواطنين على كون النيابة العامة مؤسسة وطنية مستقلة تهدف بالأساس إلى خدمة مصالح الوطن والمواطن كما حددها الدستور والقوانين.

السيد الرئيس، حضرات أعضاء المحكمة المحترمين؛

عرفت السنة المنْصرمة الميلاد الحقيقي لمؤسسة رئاسة النيابة العامة باعتبارها مؤسسة قيادية داخل السلطة القضائية المستقلة، تضطلع بالدور الذي أسنده لها الدستور والقوانين إلى جانب المجلس الأعلى للسلطة القضائية، دون تداخل أو تزاحم في اختصاص كل منهما، وإنَّما في إطار الانسجام التام الذي يجسد وحدة الجسم القضائي واتحاد رؤيته. وقد تجلى حرص المجلس – في هذا الإطار – في وضع أطر قضائية عالية المهارات رهن إشارة رئاسة النيابة العامة لتمكينها من الوفاء بالتزاماتها. كما اتضح بجلاء حرص المجلس على معاملة قضاة النيابة العامة على أساس نفس المعايير التي يتعامل بها مع زملائهم قضاة الحكم، مع حرصه على احترام مقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصلين 110 و116 من الدستور المتعلقتين بالسلطة الرئاسية التسلسلية للنيابة العامة. كما عين المجلس ثلاثين قاضياً إضافيا بالنيابات العامة بالمحاكم. ورغم أن هذا الرقم بعيد عن الاحتياجات الحقيقية للنيابات العامة، والتي قدرناها في تقريرنا الأول بما لا يقل عن 400 قاض، وأنه لا يكاد يفي بحاجيات المحاكم الابتدائية الست التي تم افتتاحها في شهر دجنبر الماضي، فإننا نعاين خصاصاً لدى المحاكم في القضاة، يهم قضاء الحكم وقضاء النيابة العامة، وهو ما يدعونا إلى المطالبة بتخصيص مناصب مالية كافية لتعيين قضاة جدد لتلافي الخصاص الملموس بالمحاكم، وأيضا من أجل تمكين ثمانية محاكم جديدة من العمل، ينتظر افتتاحها خلال الشهور القادمة، وتتطلب وحدها ما لا يقل عن خمسين من أعضاء النيابة العامة، بالإضافة إلى أكثر من ضعفهم من قضاة الحكم.

وبالعودة إلى انطلاقة رئاسة النيابة العامة في ممارسة مهامها، فقد كانت السنة الماضية، مرحلة لبناء هياكل المؤسسة وتنظيم مصالحها. ورغم الخصاص المعاين في الموارد البشرية، والذي يرجع إلى أسباب قانونية وتنظيمية وواقعية مختلفة، ما يزال يجري حلها، فإن تقييمنا للسنة الأولى من عمر الرئاسة القضائية للنيابة العامة يعتبر إيجابياً، حيث تمكنت من القيام بدورها في تأطير سير النيابات العامة والإشراف على تنفيذ السياسة الجنائية. وهو ما سيكون موضوع تقريرينا الثاني الذي سيقدم للمجلس الأعلى للسلطة القضائية. وستحال نسخاً منه على المؤسسة التشريعية. كما سيتم إطلاع الرأي العام عليه خلال الربع الأول من السنة الجارية إن شاء الله.

كما أننا تمكنا من بناء جسور للتواصل مع المواطنين سعيا لكسب ثقتهم، وجعل النيابة العامة في خدمتهم. ونعتقد أن توصل رئاسة النيابة العامة بما يزيد عن عشرة آلاف شكاية، خلال السنة، أكثر من 80% منها تم إيداعها من طرف المشتكين أنفسهم بشعبة الشكايات المفتوحة بمقر رئاسة النيابة العامة، هو دليل على ثقة المواطنين بهذه المؤسسة الجديدة، التي تسعى إلى تطوير مستوى خدماتها للمتقاضين واعتمدت نظاماً لإشعارهم بمآل شكاياتهم عن طريق الرسائل الهاتفية، فيما يجري تطوير هذه الخدمات ورقمنتها لإعفاء المواطنين من التنقل، وتقليص آجال البت في الشكايات.

كما أن ثقة المواطن بالمؤسسة تعكسها نتائج الخط الهاتفي المباشر للتبليغ عن الرشوة، والذي تلقى منذ إحداثه في منتصف شهر ماي ما يزيد على 19168 مكالمة هاتفية. بعضها حمل عبارات التشجيع للمؤسسة، وأدى بعضها الآخر إلى ضبط 62 حالة رشوة همت مختلف جهات المملكة، وشملت موظفين وعاملين من عدة قطاعات. ونعتبر أن ثقة المواطن في هذا الخط ستؤدي إلى ازدياد مستوى الردع العام لقضايا الرشوة، سيما وأنه يشكل وسيلةً ناجعة وسهلة للولوج إلى العدالة. كما أن الصرامة التي يتبعها في الحفاظ على سرية التبليغات، التي تتم من المواطنين إلى قضاة رئاسة النيابة العامة مباشرةً وبدون أي وسيط، حفاظاً على سرية البحث، تعد من مفاتيح نجاح هذا الخط. والذي ما كان ليُنْتِج هذا الرقم الهام من العمليات في سبعة أشهر من إحداثه، لولا حرص السادة الوكلاء العامين للملك ووكلاء الملك، ومعهم السادةُ ضباط الشرطة القضائية المنتمون لمصالح الأمن الوطني والدرك الملكي، والذين يحرصون على تنفيذ مهامهم في ضبط حالات الرشوة في وضعية تلبس، وباحترام تام للقانون.

كما أن الشكر موصول للمحاكم التي تولي هذه القضايا الأهمية التي تستحقها باعتبارها واحدة من أولويات السياسة الجنائية الوطنية، بالنظر لما تحظى به مكافحة الفساد من اهتمامٍ لدى المواطنين ومنظمات المجتمع المدني والسلطات العامة على السواء. والأمل معقود على القضاء لإبراز الرسالة الردعية المتوخاة من هذا الخط بواسطة أحكام تعكس صرامته في محاربة الفساد.

السيد الرئيس؛

لا أريد أن أطيل في الحديث عن منجزات النيابة العامة خلال السنة القضائية الماضية، لأنها ستكون موضوع التقرير الذي سأقدمه بحول الله إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية تنفيذا للمادة 110 من قانون المجلس. ولكن أستأذنكم في الحديث عن تطلع فئات من القضاة وبينهم قضاة النيابة العامة إلى تسوية وضعياتهم المادية، مستغلا تواجد بعض أعضاء الحكومة بيننا، ومنهم سيادة وزير العدل، لأذكر بتأخر صدور النصوص التنظيمية المتعلقة بحقوقهم المادية التي أقرتها المواد 27 و28 و29 و75 من القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة ولاسيما التعويضات عن الديمومة التي يقوم بها قضاة النيابة العامة وقضاة التحقيق والتعويض عن مهام المسؤولية وعن التنقل والانتداب. والتي يتوقف تنفيذها على نص تنظيمي. وأرجو أن يتجلى التعاون بين السلطات في اهتمام الحكومة بتفعيل هذا المقتضى القانوني بالنظر لما له من أهمية على وضعيات القضاة. وما يمثله من اهتمام ببناء السلطة القضائية المستقلة التي أكد جلالة الملك في خطابه بمناسبة افتتاح السنة التشريعية 2010-2011 : أنها “بقدر ما هي مستقلة عن الجهازين التشريعي والتنفيذي، فإنها جزء لا يتجزأ من سلطة الدولة. فالقضاء مؤتمن على سمو دستور المملكة، وسيادة قوانينها، وحماية حقوق والتزامات المواطنة”.

كما أريد أن أنادي من هذا المقام، بضرورة التعجيل بتنزيل باقي برامج إصلاح منظومة العدالة المتعلقة بالمهن القضائية وبالتكوين. وفي هذا الإطار أدعو إلى التعجيل بإعادة النظر في تنظيم المعهد العالي للقضاء، وإسنادِ الإشراف عليه للسلطة القضائية، وتمكينِ رئاسةِ النيابة العامة من تنفيذ برامج التكوين والتأطير اللازمة لأعضائها بواسطته، عن طريق إقرار مساطرَ مبسطةٍ للتعبير عن الطلبات، ومراعاة الحالات الاستعجالية الناجمة عن صدور قوانين جديدة خلال السنة القضائية، تتطلب استعجالَ عقْدِ حلقاتٍ تكوينية رغم عدم برمجتها سابقاً. بالإضافة إلى إشراك رئاسة النيابة العامة والمسؤولين القضائيين في تحديد برامج التكوين والإشراف على تنفيذها وتقييمها.

كما أود أن أشير إلى أن استقلال السلطة القضائية، لن يَكْتمل بدون تحقيق الاستقلال المالي والمادي للمحاكم، وإقرارِ سلطة مسؤوليها عن كافة مواردها البشرية. ونعتقد أن حمولة الفصل 107 من الدستور تتطلبُ تسيير السلطةِ القضائية للموارد البشرية والمالية اللازمة لها لأداء مهامها دون تدخل سلطات أخرى، حتى تكون قادرةً على إنجاز برامجها وتنفيذ التزاماتها الدستورية. ونتساءل اليوم، كيف يمكن تجسيد استقلال النيابة العامة إن كانت النصوص القانونية والتنظيمية لا تمكن رئاسة النيابة العامة من تنفيذ برامجها بنَفسها. وكيف لها أن تُطور أداءها وهي لا تسيطر حتى على الشبكة المعلوماتية التي تستخدمها النيابات العامة بالمحاكم، ولا تتوفر حتى على الإحصائيات القضائية، وبالأحرى تطويرها أو تعديلها.

ولئن كان من البديهي أن أختتم هذا الجزء من مداخلتي بالتأكيد على انخراط رئاسة النيابة العامة، في تنفيذ وتفعيل ودعم مختلف برامج إصلاح منظومة العدالة، فإنها تعتبر تخليق مهن العدالة من جهة، والتكوين المستمر والمتخصص لمكوناتها من جهة ثانية، وتحديث ورقمنة أساليب عملها من جهة ثالثة، من أهم الأوراش التي يتعين الاشتغال عليها في هذه المرحلة بتعاون وتنسيق بين جميع الفاعلين، وفي احترام تام لمقتضيات الدستور المتعلقة بفصل السلطات وتعاونها وتوازنها.

السيد الرئيس؛

تَعَوّدنا في مثل هذه المناسبة أن نستعرض نشاط محكمة النقض خلال السنة المنصرمة، وتقديم الخطوط العريضة والتوجهات العامة للأداء القضائي في الفترة القادمة.

وحتى لا أكرر ما سبق أن تفضلتم به في كلمتكم البليغة، وبفصاحتكم المعهودة، من معطيات عن اجتهادات محكمة النقض، وإحصاء القضايا بها، فإنني سأقتصر على بعض الإشارات التي تعتبرها النيابة العامة بهذه المحكمة ذات دلالة بالنسبة لمستقبل الأداء القضائي بالمحكمة الأعلى على الصعيد الوطني.

وفي هذا الصدد يلاحظ أنه رغم انخفاض عدد القضايا الجديدة المسجلة بحوالي خمسة آلاف قضية عن السنة التي قبلها، حيث لم تسَجَّل سنة 2018، سوى 42561 قضية جديدة. في حين كان قد تم تسجيل 47657 قضية خلال سنة 2017. وهو مؤشر إيجابي نتمنى استمراره حتى يبدد الهاجس الذي كان يؤرق كل فعاليات محكمة النقض خلال السنوات الأخيرة، بخصوص ارتفاع عدد القضايا الجديدة بوتيرة مطردة سنة عن أخرى. والذي يؤثر على المجهودات المبذولة، وعلى نسبة المخلف من القضايا غيرِ المحكومة. إذ ارتفع عدد القضايا المسجلة من 36080 قضية سنة 2017 إلى 47657 قضية سنة 2018، أي بزيادة أكثر من 10000 قضية خلال أربع سنوات. وهو ما يتجاوز كل جهود قضاة محكمة النقض بالنظر لاستقرار عددهم.

إحصاء عام للقضايا المسجلة والمحكومة
من سنة 2014 إلى غاية سنة 2018

ورغم هذا الانخفاض الملموس، فإن عدد القضايا المسجلة يفوق قدرات قضاة المحكمة، والتي لا يمكنها مواكبة العدد المحكوم من القضايا للعدد المسجل منها. حيث لم يتم الحكم سوى في حوالي أربعين ألف قضية )39.911(، بينما بلغ عدد القضايا الجديدة المسجلة 42.561 قضية. أي أن المحكوم أقل من المسجل بحوالي 2600 قضية. ورغم أن المحكوم خلال سنة 2018 تجاوز ب 0.64% ما تم حكمه سنة 2017، فإنه لم يؤثر على نسبة المتخلف من القضايا التي ارتفعت من 43507 قضية سنة 2017 إلى 46121 قضية في نهاية سنة 2018.

عدد القضايا الرائجة في فاتح يناير 2018

وخلال سنة 2018، عرفت محكمة النقض رواج ما يزيد على 86.000 قضية، حيث كان المتخلف من السنوات السابقة في فاتح يناير 2018 في حدود 43.507 قضية، وأضيفت إليها 42.561 قضية جديدة تم تسجيلها سنة 2018، أي يكون مجموع المخلف في 31 دجنبر 2018 هو 46.121.

وينتظر أن يرتفع هذا الرقم إلى ما يتجاوز 90 ألف قضية خلال السنة الجارية. ولذلك فإن فرضية البت فيها جميعا خلال السنة تتطلب مضاعفة عدد المستشارين العاملين بالمحكمة مرة ونصف على الأقل.

وإذا كنا نعاين الجهد الجبار الذي يبذله قضاة محكمة النقض للبت في القضايا المعروضة على المحكمة، فإننا نعتقد أن الأمر قد بات يتجاوز قدراتهم. وللاستدلال على ذلك فإن معدل انتاج كل مستشار من مستشاري محكمة النقض خلال سنة 2018 تجاوز 235 قراراً في السنة، أي بمعدل شهري يتجاوز 20 حكماً شهرياً. ويرتفع هذا المعدل لدى الغرفة الجنائية إلى حوالي 40 قراراً شهرياً. وهو ما يدعو إلى الملاحظات التالية :

معدل القرارات الصادرة عن كل مستشار
خلال شهر دجنبر 2018 حسب الغرف

– إن الحرص على زيادة كمية الإنتاج قد يُؤثر في جودة القرارات؛
– إن الزيادة في عدد المستشارين بالغرف، تتسبب في صعوبات بالنسبة للتأطير وتوحيد الاجتهاد، بالنسبة لرؤساء الغرف المطلوب منهم الاشتغال على مختلف مشاريع القرارات التي ينتجها أعضاء الغرفة )بعض الهيئات تتكون من ستة أو سبعة أعضاء(. وكذلك بالنسبة للمحامين العامين، إذ من المفترض أن يشتغل المحامي العام على جميع الملفات المدرجة أمام الهيأة؛
– إن ازدياد عدد الهيئات بكل غرفة، يكون مبعثاً لنقص الانسجام في تشكيلات نفس الغرفة. وعلى سبيل المثال فإن الغرفة الجنائية تتكون من 12 هيئة والغرفة المدنية من 9 هيئات. وكل هيئة تتكون على الأقل من 5 أعضاء؛
– إن مواجهة إشكال كميات الإنتاج بزيادة عدد القضاة أو عدد الهيئات في كل الغرف سيؤدي إلى تفاقم الإشكاليات المشار إليها في الملاحظات السابقة. بالإضافة إلى أن تأقلم القضاة مع طرق العمل بمحكمة النقض يتطلب عدة سنوات من الممارسة بهذه المحكمة؛
– إن عدد طلبات النقض المقبولة لا يتجاوز 23% من ملفات النقض المحكومة، وهو ما يؤكد المبالغة في الطعن بالنقض بسبب سهولة استعماله وغياب حواجز قانونية موضوعية أو شكلية للجوء إليه على غرار ما تقره التشريعات المقارنة.

إحصاء عام للقرارات المنقوضة
من سنة 2014 إلى غاية سنة 2018

ولذلك ننادي مرة أخرى، إلى تدخل المشرع لترشيد الطعن بالنقض والحد من المبالغة في استعماله، عن طريق وضع شروط شكلية أو موضوعية تراعي قيمة النزاع أو الحق المتقاضى بشأنه، أو فرض رسوم مسبقة بشأنه تتملكها خزينة الدولة في حالة عدم قبوله.

وبالإضافة إلى ذلك نعتقد أن الضرورة تقتضي تأطير أعضاء النيابة العامة وأعضاء الدفاع وتدريبهم على تحرير مذكرات النقض. وذلك لأن الطعون التي يتم عدم قبولها شكلا تتجاوز 30.43% من مجموع القرارات السلبية التي أصدرتها محكمة النقض سنة 2018 )أي 12148 قرارا من حوالي 40 ألف قرار(.

إحصاء عام للقرارات الموضوعية والشكلية
من سنة 2014 إلى غاية سنة 2018

ونشير هنا أن النيابة العامة لدى محكمة النقض عازمة خلال السنة الجارية على عقد دورات تكوينية لفائدة السادة نواب الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف المكلفين بتحرير مذكرات الطعن بالنقض، راجياً من السيد الرئيس الأول والسادة رؤساء الغرف والهيئات والمستشارين التفضل بدعم هذه المبادرة التي نعتقد أنها ستكون مفيدة لأداء العدالة عموماً ولمحكمة النقض على الخصوص.

ومن جهة أخرى فرغم ضغط العمل الذي يواجهه قضاة محكمة النقض، فإنهم استطاعوا أن يحققوا أهدافاً جيدة على مستوى اختزال آجال البت في القضايا، ذلك أن 75% من القضايا الرائجة بالمحكمة يقل تسجيلها عن سنة واحدة. وأنه من بين حوالي 48000 ملفا تروج بالمحكمة، فقط 1642 ملفا يرجع تاريخها إلى ما قبل سنة 2017.

إحصاء لآماد البت في الملفات الرائجة خلال سنة 2018

ومن جهة أخرى فقد استطاعت المحكمة أن تحافظ على مستوى عدد ملفات المعتقلين في حدود 1100 قضية. وهذا الرقم ينقص عن المخلف في السنة الفارطة ب 79 ملفاً.

المسجل والمحكوم والرائج لقضايا المعتقلين من سنة 2014 إلى غاية سنة 2018

السيد الرئيس والسادة المستشارين المحترمين؛

معدل القضايا بالنسبة لكل محام عام خلال سنة 2018

إن بيان مجهود قضاة محكمة النقض، لا يمكن أن يستقيم دون الإشارة إلى المجهود الخارق الذي يبذله السادة المحامون العامون، ذلك أن 30 من بينهم يمثلون النيابة العامة أمام هيئات المحكمة قد استطاعوا تقديم مستنتجات كتابية في أكثر من 40 ألف قضية، أي بمعدل يزيد عن 1300 مذكرة لكل محام عام.

كما أنهم عالجوا ما يزيد على 800 شكاية خلال السنة 2018.

وهي مناسبة للتنويه بالسيدات والسادة المحامي العام الأول والمحامين العامين، ودعوتهم إلى المزيد من التعبئة للمساهمة في جهود محكمة النقض الرامية إلى تأطير عمل محاكم الموضوع تأطيراً قانونيا.

السيد الرئيس؛

أختم كلمتي بالتوجه إليكم بجزيل الشكر، وبالغ التقدير منوها بإدارتكم المُحْكَمَةِ لهذه المحكمة، وبروح التعاون البناء التي ما فتئتم تعبرون عنها بأفعالكم قبل أقوالكم. وليس هذا بعزيز عليكم، وقد جبلتم على خدمة الصالح العام وقضايا العدالة، وتربيتم على جمع الصفوف وتوحيد جهود القضاة لخدمة بلدنا الأمين. وعبركم أتوجه بخالص عبارات التقدير لكافة قضاة المملكة. وأرجو لكم ولهم مزيداً من التوفيق.

وأدعو الله أن يوفقنا جميعاً لنكون في مستوى المسؤوليات الجسام التي نضطلع بها، وأن نكون عند حسن ظن جلالة الملك وفي مستوى تطلعات المواطنين، وأن نسهم جميعاً في بناء نظام قضائي في مستوى عظمة وطننا العزيز.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.