السيد رئيس النيابة العامة يترأس بفاس الندوة الجهوية الرابعة حول ترشيد الاعتقال الاحتياطي



نص كلمة مولاي الحسن الداكي الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض رئيس النيابة العامة في افتتاح أشغال الدورة التكوينية لفائدة المسؤولين القضائيين ضمن برنامج تعزيز قدرات القضاة في مجال حقوق الإنسان

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛


السيد الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بفاس؛
السادة الوكلاء العامون لدى محاكم الاستئناف بفاس ووجدة والناظور وتازة والرشيدية؛
السادة وكلاء الملك؛
السادة رؤساء الغرف والسادة قضاة التحقيق وقضاة الحكم وقضاة النيابة العامة؛
السادة نقباء هيئات المحامين بفاس ومكناس ووجدة والناظور وتازة؛
السيد مدير الشؤون الجنائية والعفو بوزارة العدل ممثل السيد وزير العدل؛
السيد ممثل المندوبية العامة لإدارة السجون واعادة الادماج؛
السيد والي الأمن بفاس؛
السيد القائد الجهوي للدرك الملكي بفاس؛
السيد رئيس المجلس الجهوي للمفوضين القضائيين بفاس؛
السيد رئيس المصلحة الولائية للشرطة القضائية بفاس؛
حضرات السيدات والسادة كل باسمه وصفته والاحترام الواجب لشخصه.


إنه لشرف عظيم أن أفتتح معكم أشغال الندوة الجهوية الرابعة حول ترشيد الاعتقال الاحتياطي، والتي تشكل حلقة علمية أساسية بين مختلف المتدخلين في تدبير وضعية الاعتقال الاحتياطي بالدوائر القضائية بكل من فاس ومكناس ووجدة والناظور وتازة والرشيدية.


وأغتنم هذه الفرصة لأشكر كل من ساهم في تنظيم هذه الندوة الجهوية، والتي تتميز عن سابقاتها بحضور ممثلين عن وزارة العدل والمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الادماج الذين سيغنون النقاشات من خلال تقديم مداخلات وإبداء وجهة نظر أطراف غير قضائية في تدبير الاعتقال الاحتياطي.


وكما هو الشأن في الندوات الجهوية السابقة، يتميز هذا اللقاء كذلك بمشاركة السادة قضاة الحكم وقضاة التحقيق إلى جانب زملائهم من قضاة النيابة العامة، وهو ما يساعد على إغناء النقاش وتعميقه حول إشكاليات الاعتقال الاحتياطي وإيجاد الآليات المناسبة لتدليلها. وهي مناسبة لتوجيه الشكر الجزيل للسيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية على دعمه وانخراطه في جميع المبادرات التي تقوم بها رئاسة النيابة العامة من أجل تجويد الأداء القضائي والرفع من نجاعته.


حضرات السيدات والسادة


يستأثر تدبير الاعتقال الاحتياطي باهتمام بالغ من جانب هذه الرئاسة بدليل العدد الكبير من الدوريات التي وجهت للنيابات العامة في هذا الشأن. وأكيد أنكم على وعي تام بجسامة مسؤوليتكم في تدبير الاعتقال الاحتياطي، وأهمية دوركم في ترشيده، خاصة وأنتم حماة حرية الأفراد والجماعات وفقا لما ينص عليه الفصل 117 من دستور المملكة.
وهكذا يعتبر ترشيد الاعتقال الاحتياطي أحد المواضيع الحاضرة في معظم الاجتماعات واللقاءات التي تعنى بالعدالة الجنائية، سواء تلك التي تعقد مع السادة المسؤولين القضائيين أو مع باقي الفاعلين في حقل العدالة، وهذا أمر طبيعي إذا ما استحضرنا أن الاعتقال الاحتياطي يمس الفرد في أحد حقوقه الأساسية التي كرستها المواثيق الدولية والتشريعات الوطنية ألا وهو الحق في الحرية، كما أنه يشكل مرآة حقيقية لمدى احترام قواعد وشروط المحاكمة العادلة، وتفعيل قرينة البراءة التي تعتبر حجر الزاوية في الأنظمة القضائية الحديثة، فأي إفراط أو سوء تقدير في إعمال سلطة الاعتقال، معناه انتهاك لحرية الإنسان وهدم لقرينة البراءة.


لذلك أكدنا مرارا للسادة قضاة النيابة العامة على أن تحريك الدعوى العمومية في حالة اعتقال يجب أن يتم في الحالات الاستثنائية التي يقع فيها مساس بمصالح أخرى بشكل صارخ من طرف المشتبه فيه، فلابد من توفر المبررات القانونية المحددة في المواد 47 و73 و74 من قانون المسطرة الجنائية، والتي تتمثل في حالة التلبس، وخطورة الفعل الجرمي، وانعدام ضمانات الحضور، وتوفر دلائل قوية على ارتكاب المشتبه فيه للجريمة.


ورغم المكانة التي حظي بها موضوع الاعتقال الاحتياطي ضمن أولويات السياسة الجنائية، والجهود المبذولة في هذا الإطار، لا زالت نسبه يطبعها الارتفاع، حيث بلغت في نهاية شهر أكتوبر 2021 44,56⁒ علما أن هذه النسبة تراوحت بين 44 ⁒ و 45 ⁒ طول سنة 2021.


وإذا كانت جهود رئاسة النيابة العامة في البداية أثمرت نتائج طيبة عكستها الأرقام المسجلة في معدلات الاعتقال الاحتياطي، حيث انخفضت إلى 36,31⁒ في متم شهر مارس 2019، إلا أن الآثار السلبية التي أفرزها انتشار وباء كوفيد 19 على سير العدالة عموما، وعلى وثيرة البت في قضايا المعتقلين الاحتياطيين على وجه الخصوص، انعكست بشكل ملحوظ على نتائج سنتي 2020 و2021، الأمر الذي يقتضي منا جميعا، قضاة الحكم والتحقيق والنيابة العامة وكذا جميع الفاعلين في العدالة الجنائية، مضاعفة الجهود سواء عبر ترشيد اللجوء إلى الاعتقال عند تحريك المتابعات، أو من خلال الرفع من نجاعة الأداء عند البت في قضايا المعتقلين وإصدار الأحكام، والتسريع بإحالة ملفات المعتقلين الاحتياطيين المطعون فيها على المحكمة الأعلى درجة.


حضرات السيدات والسادة الأفاضل


تشكل الندوة الجهوية الرابعة حلقة علمية ومنتدى للتفكير العميق في رسم خريطة طريق فعالة لإيجاد الحلول لإشكالية ترشيد الاعتقال الاحتياطي، لكون قرار الاعتقال ليس مجرد تدبير عادي قد تتم معالجته إجرائيا في المستقبل، بل هو إجراء جوهري وقرار مصيري في حياة العديد من الأشخاص الذين يتخذ في حقهم، والذين تتأثر مصالحهم الأسرية والوظيفية بشكل مباشر بتبعاته، مما يتطلب منا التريث لأقصى حد قبل اتخاذه.


ومن المفيد التذكير أن قواعد النجاعة وحسن الأداء تقتضي تتبعا وتقييما دوريين لمختلف القرارات المتخذة، وتأتي قرارات الاعتقال في مقدمة هذا التقييم، ذلك أنه سنة 2020 حوالي ألفي (2000) معتقل انتهت قضاياهم بالبراءة أو عدم المتابعة. الأمر الذي يطرح تساؤلات حقيقية حول جدوى الاعتقال في مثل هذه الحالات.


وإذا كانت التطورات التي تعرفها القضايا خلال مرحلة المحاكمة تكون السبب الرئيسي في معظم هذه الأحكام، فأكيد أن مسؤوليتنا مع ذلك تبقى حاضرة خاصة عندما يتعلق الأمر بمساطر مرجعية أو ادعاءات لا تعضدها وسائل الاثبات الكافية.


أيها الحضور الكريم


أدعوكم بهذه المناسبة لاستغلال فرصة هذا اللقاء من أجل مناقشة هادئة وعميقة لجميع الإشكاليات التي يطرحها موضوع الاعتقال الاحتياطي، والتمحيص في الشروط الأساسية والمعايير الواجب احترامها قبل اتخاذ قرار الإيداع في السجن خاصة في الجنح الضبطية، وفتح حوار جاد وبناء حول المحددات المتصلة بتدبير الاعتقال الاحتياطي.


وفي الختام لا يسعني إلا أن أتوجه بالشكر الجزيل لجميع من كان له الفضل في عقد هذه الندوة الجهوية الرابعة، والتي سيليها لقاء جهوي خامس بمدينة طنجة، بعدما تم عقد لقاءات بمدن الدار البيضاء ومراكش وأكادير. مما سيسمح بتوحيد الرؤى وتجميع مختلف الأفكار والاقتراحات للخروج بتوصيات أساسية سيتم تعميمها مستقبلا على جميع النيابات العامة، لتكون بإذن الله خطوة فعالة ومبادرة ملموسة لترشيد الاعتقال الاحتياطي الذي يعد لبنة أساسية في مشروع إصلاح منظومة العدالة ببلادنا وتعزيز حماية حرية الأفراد.


حفظ الله مولانا الإمام جلالة الملك محمد السادس أعز الله أمره بما حفظ به الذكر الحكيم، وأقر عينه بولي عهده الأمير الجليل مولاي الحسن وشد أزره بصنوه السعيد الأمير مولاي رشيد، وكافة أسرته الشريفة، إنه سميع مجيب.


والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.