كلمة السيد مولاي الحسن الداكي الوكيل العام للملك رئيس النيابة العامة بمناسبة توقيع مذكرة تعاون بين رئاسة النيابة العامة والمجلس الأعلى للسلطة القضائية والمجلس الأعلى للحسابات


بسم الله الرحمان الرحيم

حضرات السيدات والسادة؛


إنه لشرف كبير يستشعره كل منتم للعدالة وهو يعيش مثل هذه اللحظات التي يلتئم فيها جمع مبارك لأول مرة يضم كل مكونات القضاء العادي والمالي في لقاء لوضع استراتيجية موحدة من أجل التنسيق حول مختلف أوجه التعاون بين المؤسسات القضائية العادية والمالية.


لقد بذلت بلادنا مجهودات جبارة في مجال مكافحة الفساد وتخليق الحياة العامة لاسيما بعد صدور دستور المملكة لسنة 2011 وتوقيع بلادنا لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وما أعقب ذلك من تدابير وبرامج كان أهمها إعداد الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد وإحداث أقسام الجرائم المالية والفرق الجهوية للشرطة القضائية المتخصصة في الجرائم المالية وإصدار قانون حماية الشهود والمبلغين والضحايا والخبراء وتعديل قانون مكافحة غسل الأموال وإصدار قانون الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الفساد ومكافحته وغيرها من الإجراءات والتدابير التي تؤكد أن موضوع تخليق الحياة العامة ومكافحة الفساد من المواضيع الثابتة في السياسات العمومية والسياسة الجنائية لبلادنا.
غير أن تحقيق الغايات المرجوة من السياسات الوطنية في مجال مكافحة الفساد وتخليق الحياة العامة، يقتضي مقاربة الموضوع من جميع الزوايا عبر اعتماد تدابير للوقاية وأخرى للزجر دون إغفال الجوانب ذات الصلة بالحكامة والتربية والتكوين والتوعية والتحسيس.


كما يقتضي موضوع مكافحة الفساد تكامل الأدوار وتنسيق الجهود من أجل ربط المسؤولية بالمحاسبة وكشف كافة أشكال الاختلالات والممارسات والسلوكات التي تمس بنزاهة وشفافية المرفق العمومي وجودة الخدمات العمومية ومساواة المواطنين في الاستفادة منها. ذلك أن الجرائم المالية وكما أثبتت التجربة تبقى من الجرائم التي تجمع بين ما هو قانوني وما هو تقني محاسباتي ولا يمكن بأي حال من الأحوال التمكن من فهم تفاصيلها ومكافحة كافة صورها دون تظافر جهود أجهزة الرقابة والتدقيق وسلطات إنفاذ القانون والسلطات القضائية.


حضرات السيدات والسادة؛


إن التكامل بين عمل قاضي المجلس الأعلى للحسابات وعمل القاضي الجنائي مسألة جوهرية أكدتها الممارسة واستحضرها المشرع من خلال نص المادتين 111 و162 من مدونة المحاكم المالية الذي يقضي بإحالة ما يقف عليه المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات من إخلالات ذات طابع جنائي على النيابة العامة أو من خلال ما نصت عليه نفس المدونة بشأن تبادل الوثائق بين المحاكم المالية والمحاكم الزجرية، وتقديم المجلس الأعلى للحسابات مساعدته للهيئات القضائية.


ومع ذلك فإن التعاون بين المحاكم المالية والمحاكم الزجرية لا ينبغي أن يبقى حبيس الإجراءات الإدارية والمراسلات الرسمية، بل لا بد أن يوازي ذلك حوار مباشر من أجل تنسيق الجهود وتبادل الرأي والمشورة، والتعاون في مجال التكوين للرفع من قدرات القضاة في مجال الجرائم المالية وما يرتبط بها من إشكالات في مجال المحاسبة العمومية والصفقات العمومية والرقابة العامة على المالية العمومية فضلا عن تبادل الاجتهادات القضائية المتميزة.


ولذلك فإنني أتقدم بالشكر الجزيل للسيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية والسيدة الرئيسة الأولى للمجلس الأعلى للحسابات والسيد الوكيل العام للملك لديه على انخراطهم الفعال في هذا المشروع ومواكبتهم باهتمام كبير لكافة مراحل إعداد مذكرة تعاون التي ستكون لا محالة إطارا ملائما للرفع من فعالية المؤسسات الثلاث في مجال مكافحة الفساد وتخليق الحياة العامة، وآلية ناجعة للتعاون والتنسيق وتكامل الأدوار في سبيل تنفيذ توجيهات جلالة الملك نصره الله الذي ما فتئ يحث على تكاثف الجهود وتكامل الأدوار من أجل مكافحة الفساد وفق ما جاء في الخطاب السامي الذي وجهه جلالته إلى الأمة بمناسبة الذكرى 17 لعيد العرش المجيد، حيث أكد جلالته على أن : “محاربة الفساد هي قضية الدولة والمجتمع: الدولة بمؤسساتها من خلال تفعيل الآليات القانونية لمحاربة هذه الظاهرة الخطيرة وتجريم كل مظاهرها، والضرب بقوة على أيدي المفسدين.


والمجتمع بكل مكوناته من خلال رفضها وفضح ممارسيها، والتربية على الابتعاد عنها، مع استحضار مبادئ ديننا الحنيف والقيم المغربية الأصيلة القائمة على العفة والنزاهة والكرامة”.


حضرات السيدات والسادة؛


لقد ظلت رئاسة النيابة العامة دوماً حريصة على مواكبة السياسات العمومية في مجال مكافحة الجرائم المالية وباقي صور الفساد، إذ فضلا عن أدوارها المحددة قانونا والمتمثلة أساسا في إدارة الأبحاث وتحريك المتابعات وتفعيل تدابير حماية المبلغين والشهود، فإنها عملت على وضع مجموعة من الآليات رهن إشارة المواطنين للتبليغ على الرشوة وكافة أشكال الفساد من خلال إحداث شعبة الشكايات ووضع آلية الشكاية الالكترونية والخط المباشر للتبليغ عن الفساد والذي مكن في ظرف ثلاث سنوات من ضبط 181 حالة تلبس، إضافة إلى التفاعل الفوري مع تقارير الهيئات والمؤسسات، وعلى رأسها تقارير المجلس الأعلى للحسابات، وفتح الأبحاث القضائية بشأن ما تتداوله وسائل الإعلام من أخبار حول جرائم الفساد، عندما تكون هناك معطيات كافية لفتح بحث قضائي.


ولا شك أن مذكرة التعاون التي ستوقع اليوم بين مؤسساتنا ستعطي دينامية جديدة لعملنا وستعزز قنوات التعاون والتنسيق بين المؤسسات الثلاث وهو ما سيكون له آثار إيجابية على جودة الأبحاث والعمل القضائي في مجال الجرائم المالية.


وفي الختام، إذ أعبر عن سعادتي واعتزازي بهذا الإطار الاتفاقي الذي سيرى النور اليوم، فلا يسعني إلا أن أجدد الشكر للسيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية والسيدة الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات والسيد الوكيل العام للملك لديه على هذا الإنجاز المتميز فإني أسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعا في مهامنا حتى نكون عند حسن ظن جلالة الملك نصره الله وفي مستوى تطلعات المواطنين حتى تكون بلادنا في مصاف الدول التي يحتذى بها في مجال الشفافية والنزاهة وتخليق الحياة العامة ومكافحة الفساد وصون المال العام.


حفظ الله مولانا الإمام جلالة الملك محمد السادس دام عزه ونصره بما حفظ به الذكر الحكيم وأقر عينه بولي عهده المحبوب الأمير الجليل مولاي الحسن وشد أزره بصنوه الرشيد الأمير مولاي رشيد وكافة أفراد أسرته الشريفة، إنه سميع الدعاء وبالإجابة جدير.


(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).
صدق الله العظيم
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.