مشاركة السيد رئيس النيابة العامة في الندوة الوطنية حول مدونة الأخلاقيات القضائية



كلمة السيد مولاي الحسن الداكي الوكيل العام للملك رئيس النيابة العامة بمناسبة الندوة الوطنية المنظمة بشراكة بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة حول موضوع “مدونة الأخلاقيات القضائية: محطة هامة في تأطير السلوك القضائي” يومي 24 و25 يونيو 2021


بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبته أجمعين.


-السيد الرئيس الأول لمحكمة النقض، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية المحترم؛
-السيدة الرئيسة الأولى للمجلس الأعلى للحسابات المحترمة؛
-السيد وسيط المملكة المحترم؛
-السيدة رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان المحترمة؛
-السيد رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها المحترم؛
-السادة أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية المحترمون؛
-السادة المسؤولون القضائيون المحترمون؛
السادة رؤساء الجمعيات المهنية للقضاة المحترمون؛
-السيد رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب المحترم؛
-السادة رؤساء المهن القانونية والقضائية المحترمون؛


حضرات السيدات والسادة كل باسمه وصفته والتقدير الواجب لشخصه.


إنه لمن دواعي السرور والاعتزاز أن أفتتح بمعية السيد الرئيس الأول لمحكمة النقض، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أشغال هذه الندوة التي تنظم بشراكة بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة حول موضوع “الأخلاقيات القضائية “. وبهذه المناسبة أرحب بكل من لبى دعوة الحضور لهذا اللقاء العلمي الذي تحتضنه قاعة المرحوم عبد المجيد غميجة والذي كان نموذجا للقاضي الخلوق .


إن انعقاد هذه الندوة يأتي في ظرفية يحظى فيها هذا الموضوع باهتمام كبير، لاسيما بعد صدور مدونة الأخلاقيات القضائية، وإعطاء عناية كبيرة لورش التخليق ضمن الورش الكبير لإصلاح القضاء، واعتباره من ضمن أولويات المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة ضمن استراتيجيتهما المستقبلية في تدبير الشأن القضائي.


حضرات السيدات والسادة،


إن موضوع الأخلاقيات القضائية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يختزل فيما هو مهني أو فئوي، بل هو موضوع يتقاطع مع مجموعة من السياسات العمومية والاستراتيجيات الوطنية، فهو من جهة يرتبط بحقوق المتقاضين وأمنهم القضائي وانتظاراتهم من العدالة ومن جهة ثانية يرتبط بالثقة في القانون وفي مؤسسة القضاء ومن جهة ثالثة يرتبط بالتنمية والنمو الاقتصادي ومستوى ثقة المستثمر في منظومة العدالة.


ولذلك فإن الأخلاقيات القضائية تبقى من المنطلقات الأساسية لكسب رهان القضاء المستقل، النزيه والفعال، قضاء يحظى بثقة المواطن والمستثمر ويطمئن الجميع لعدالته ولأحكامه، على نحو تسود معه سلطة القانون وتتحقق المساواة أمام أحكامه.


حضرات السيدات والسادة،


لقد شكل صدور مدونة الأخلاقيات القضائية خطوة مهمة نحو تنزيل أحكام دستور المملكة والتزاماتها الدولية وتوفير إطار مرجعي للقاضي يسترشد به في أداء مهامه وفي سلوكه اليومي وحياته الشخصية، لاسيما وأن القاضي بما يحمله من مسؤولية جسيمة، يتقيد بواجب التحفظ والسلوك المهني القويم الذي يحفظ هيبة ووقار القضاء، سواء أثناء تأدية مهامه أو خارج المحكمة في علاقته بمحيطه الأسري والاجتماعي، مما يجعله دائما أمام أسئلة وأوضاع قد لا يعرف كيف يتعامل معها في غياب إطار مرجعي لأخلاقيات القاضي.


وإذا كانت مدونة الأخلاقيات القضائية قد تضمنت مجموعة من القيم والمبادئ التي تصون استقلال القاضي وحياده ونزاهته وشجاعته الأدبية وتقيده بواجب التحفظ، وغيرها من مقومات السلوك المهني الرصين، فإنها تضمنت أيضا إطارا مؤسساتيا من خلال إحداث لجنة الأخلاقيات ومستشاري الأخلاقيات في شخص الرؤساء الأولون والوكلاء العامين وهم من قيدومي القضاة الذين راكموا تجربة مهنية كبيرة وراكموا رصيدا أخلاقيا يجعلهم في مستوى إعطاء النصح للقضاة وتأطيرهم وخاصة القضاة الشباب منهم.


حضرات السيدات والسادة،


مهما كانت القوانين متقدمة ومهما كانت مدونة الأخلاقيات متناغمة مع الأهداف النبيلة للعدالة، فإن الرهان الأكبر يبقى هو الضمير المسؤول للقضاة وفق ما جاء في خطاب جلالة الملك نصره الله بمناسبة الذكرى الرابعة عشر لاعتلاء جلالته عرش أسلافه الميامين، حيث قال جلالته:”ما فتئنا منذ تولينا أمانة قيادتك، نضع إصلاح القضاء، وتخليقه وعصرنته، وترسيخ استقلاله، في صلب اهتماماتنا، ليس فقط لإحقاق الحقوق ورفع المظالم، وإنما أيضا لتوفير مناخ الثقة، كمحفز على التنمية والاستثمار، وفي هذا الصدد، نسجل بارتياح التوصل إلى ميثاق لإصلاح المنظومة القضائية، حيث توافرت له كل الظروف الملائمة، ومن ثم، فإنه يجب أن نتجند جميعا، من أجل إيصال هذا الإصلاح الهام، إلى محطته النهائية.


ومهما تكن أهمية هذا الإصلاح، وما عبأنا له من نصوص تنظيمية وآليات فعالة، فسيظل “الضمير المسؤول” للفاعلين فيه، هو المحك الحقيقي لإصلاحه، بل وقوام نجاح هذا القطاع برمته”.


ولذلك فإن القاضي اليوم مدعو لأن يكون قدوة في وقاره وعلمه وهندامه وعلاقته بمحيطه الأسري والمجتمعي، فالقاضي لا يوزن بنفس الميزان الذي يوزن به باقي أفراد المجتمع، بل إن المجتمع يضع تمثلات خاصة للقاضي ترتبه في مصاف الفضلاء النزهاء العدول المبتعدين عن الشبهات، ولذلك لا يقبل المجتمع من القاضي أي سلوك يمس بوقاره أو يزعزع ثقة المتقاضين في عدله وحياده.


حضرات السيدات والسادة،


إننا جميعا مدعوون للمساهمة في تكريس الأخلاقيات القضائية، فالمجلس الأعلى للسلطة القضائية يتحمل أمانة دستورية في صون الأخلاقيات القضائية وتقويم السلوك القضائي، والمسؤولون القضائيون مدعوون ليكونوا آباء مرشدين لباقي القضاة يؤطرونهم وينصحونهم وينبهونهم لما قد يقعون فيه من خلل أو زلل، والجمعيات المهنية مدعوة لنشر القيم القضائية والتحسيس بها، والإعلام مدعو لنشر الأخلاقيات والقيم القضائية النبيلة، ليس فقط من خلال تناول الممارسات المخلة بهذه الأخلاقيات، ولكن أيضا من خلال تسليط الضوء على الجوانب المشرقة من عمل القضاة وسلوكهم.


وإذ أسأل الله أن يوفقنا جميعا في هذا المسعى النبيل وأن يكلل أشغال هذه الندوة بالنجاح، أغتنم الفرصة لأتقدم بالشكر والامتنان لكل من ساهم في تنظيمها ولكافة السيدات والسادة المتدخلين الذين سيسهمون بمداخلاتهم في تسليط الضوء على المجالات المختلفة لموضوع الأخلاقيات القضائية وما ينطوي عليه من إشكالات.


حضرات السيدات والسادة،


انسجاما مع هذه التوجهات، فإن رئاسة النيابة العامة وبتنسيق متكامل مع الرئاسة المنتدبة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ستعمل على السعي إلى تحقيق الغاية من إصدار مدونة الأخلاقيات القضائية، ألا وهي تملك القضاة بمبادئها في حياتهم اليومية، وفي هذا الإطار فإن العزم الأكيد على العمل سويا من أجل تفعيل أحكامها ومرافقة كافة مكونات الجسم القضائي، من مسؤولين وقضاة، فضلا عن الحرص على تناغم مبادئ هذه المدونة مع كل ما يرمي إلى تحقيق مضامين ومبادئ الأخلاق الفضلى المنصوص عليها في العديد من المواثيق الدولية ذات الصلة بالعدالة التي تنصرف إلى مختلف مكونات منظومة العدالة من هيئة الدفاع وباقي مساعدي القضاء من خلال العمل سوياً معهم وإلى جانبهم على القيام بكل المبادرات الرامية إلى التحسيس والتأطير والمواكبة في سبيل التنزيل الأمثل لهذه المبادئ في أفق بلورتها على أرض الواقع، بما يستجيب لانتظارات المواطنين ويكون في مستوى التطلعات التي يصبو إليها جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والذي ما فتئ جلالته يؤكد عليها من خلال توجيهاته السامية الرامية إلى تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.


ولا يسعني في ختام هذه الكلمة إلا أن أجدد شكري وامتناني لكل الحاضرين والمشاركين في أشغال هذه الندوة متمنيا لها النجاح وأن تتمخض عنها توصيات كفيلة بتعزيز وتفعيل مدونة الأخلاقيات القضائية.


حفظ الله مولانا الإمام جلالة الملك محمد السادس دام عزه ونصره وأقر عينه بولي عهده الأمير الجليل مولاي الحسن وشد أزره بصنوه الرشيد الأمير مولاي رشيد وكافة أفراد أسرته الكريمة إنه سميع الدعاء وبالإجابة جدير.



م. الحسن الداكي
رئيس النيابة العامة