كلمة السيد رئيس النيابة العامة في ندوة مرفق العدالة على ضوء تقرير النموذج التنموي الجديد



بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،

-السيد الرئيس الأول لمحكمة النقض، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.
-السيد وزير العدل
-السيد رئيس ودادية موظفي العدل
-حضرات السيدات والسادة كل باسمه وصفته والاحترام والتقدير الواجب لشخصه.

إنه لمن دواعي السرور والاعتزاز، أن أشارك معكم في افتتاح أشغال هذه الندوة الهامة المنظمة من طرف المكتب المركزي لودادية موظفي العدل، حول موضوع: “مرفق العدالة على ضوء تقرير النموذج التنموي الجديد”، وبهذه المناسبة أود أن أشكر السيد رئيس ودادية موظفي العدل على هذه الدعوة الكريمة، كما أود أن أهنئكم على حسن اختيار موضوع الندوة والذي يعكس الحس العالي لمنظميها من أجل تدارس موضوع في غاية الأهمية له راهنية آنية ويحظى باهتمام من طرف مختلف الفاعلين في البلاد.

حضرات السيدات والسادة


تعد العدالة من المرافق التي تحظى بأهمية بالغة داخل النسيج المجتمعي، بالنظر لدورها في ضمان الحقوق، وصون الحريات، وحفظ الأعراض والأموال، وإشاعة قيم العدل بين الأفراد، والمساهمة في توفير مناخ آمن للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.


ولما كان تحقيق هذه الغايات السامية يرتبط ببناء عدالة سليمة، تتميز بالفعالية والنجاعة ونزاهة المنتسبين إليها، وتبسيط إجراءات الولوج إليها والقدرة على المساهمة في قيادة قاطرة التنمية وتشجيع الاستثمار، وهو الدور الذي ما فتئ صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده يؤكد عليه في خطبه السامية، حيث قال جلالته في كلمة وجهت للمشاركين بمناسبة انعقاد الدورة الثانية للمؤتمر الدولي للعدالة، الذي افتتحت أشغاله يوم الاثنين 21 كتوبر 2019 بمراكش، تحت شعار “العدالة والاستثمار.. التحديات والرهانات” (وإذ نرحب بكم ضيوفا كراما على أرض المملكة المغربية، فإننا نشيد باختياركم لهذه الدورة موضوع “العدالة والاستثمار: التحديات والرهانات”. لما يجسده هذا الموضوع من وعي بأهمية الاستثمار كرافعة للتنمية، وبالدور الحاسم الذي تضطلع به العدالة في الدفع بالنمو الاقتصادي، عبر تعزيز دولة الحق والقانون، وضمان الأمن القانوني والقضائي اللازم لتحقيق التنمية الشاملة) انتهى النطق الملكي السامي.

حضرات السيدات والسادة


إن الرغبة الأكيدة لبلادنا في بناء عدالة نزيهة وفعالة قريبة من انشغالات المواطن، تجسد من خلال الإرتقاء بالقضاء إلى سلطة في ظل دستور 2011، والذي أقر استقلال هذه السلطة القضائية من باقي السلط، ثم تلا ذلك استقلال النيابة العامة من السلطة الحكومية. وهو ما تمت ترجمته من خلال القانونين التنظيميين المتعلقين بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي لرجال القضاء، والقانون رقم 33.17 المتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل إلى رئيس النيابة العامة.


وتعزيزا لهذه المكتسبات، واستكمالا للبناء المؤسساتي لمرفق العدالة ببلادنا، والتطلع نحو إرساء أسسها الكفيلة بتحقيق الغايات المرجوة، والمساهمة في النموذج التنموي الذي تسعى بلادنا إلى تحقيقه. فقد بادرت رئاسة النيابة العامة إلى التفاعل إيجابا مع اللجنة المذكورة من خلال تقديم ورقة حول تصورها بشأن دور القضاء في النموذج التنموي الجديد، تضمن تشخيصاً واقعياً للعدالة مع إبراز ما تحقق، وما ينبغي أن يتحقق والإكراهات والعوائق والحلول الممكنة لذلك.


والأكيد أن  ندوة هذا اليوم، تأتي في سياق التفاعل مع مخرجات التقرير العام الذي قدمه رئيس لجنة النموذج التنموي الجديد بين يدي صاحب الجلالة يوم 25 ماي 2021 بالقصر الملكي العامر بفاس، والذي خلص إلى أن بنية العدالة بالرغم من الإصلاحات التي عرفتها،  إلا أنها مع ذلك ما زالت تعاني من بعض الأعطاب، مثل طول أمد البت في الملفات القضائية، والنقص في الكفاءات، وضعف الشفافية وغيرها …، مما يفرض على كل مكوناتها من قضاة وموظفي كتابة الضبط ومحامين وخبراء وعدول وتراجمة ومفوضين قضائيين، وشرطة قضائية وغيرهم من مساعدي العدالة المشاركة في ورش إصلاح العدالة عبر الانخراط الجاد والمسؤول في إرساء دعائم التخليق وتكريس قيم الحياد والنزاهة وخدمة الصالح العام، وتعزيز ثقة المواطن والمستثمر في عدالتنا.


حضرات السيدات والسادة


إن رئاسة النيابة العامة، و انطلاقا من وعيها بالمسؤولية الملقاة على عاتقها في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها بلادنا والتي تتميز بعدة تحديات، واعية بقيمة انخراط مختلف مكونات العدالة من أجل المساهمة الفعالة في تنزيل مضامين النموذج التنموي الجديد، وفي هذا الإطار عقد المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة لقاءً تواصلياً مع السيد رئيس لجنة النموذج التنموي الجديد رفقة بعض أعضائها بتاريخ 26 يونيو 2021، قدمت خلاله اللجنة خلاصاتها حول ما جاء به التقرير العام بالنسبة لمنظومة العدالة، وقد كان هذا اللقاء مناسبة لإطلاع اللجنة على بعض  المعيقات الواقعية والقانونية واللوجستيكية التي تحول دون الوصول إلى عدالة قوية ومتراصة، واقتراح الحلول الكفيلة بمعالجتها.


حضرات السيدات والسادة


إيمانا بمحورية الاهتمام بالمواطن ضمن أولويات اشتغالها باعتباره يشكل صلب النموذج التنموي، فإن رئاسة النيابة العامة وضعت استراتيجية عمل للمرحلة ترتكز بالأساس على تعزيز ثقة المواطن والرفع من مستواها وتبسيط إجراءات الولوج إلى الخدمات التي تقدمها، والتعاطي إيجابا مع تظلماتهم وشكاياتهم وطلباتهم، والسهر على معالجتها داخل آجال معقولة، فضلا عن مساهمتها في تخليق الحياة العامة من خلال انخراطها في الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد عبر التشجيع على التبليغ على كل أشكال الفساد واختلاس المال العام.


حضرات السيدات والسادة


إن العدالة لا تعد شأنا قضائيا صرفا، وإنما هي شأن مجتمعي ومجال خصب لعدة متدخلين، ما يجعل أزمة الثقة فيها تتقاسمها كل الأطراف المتدخلة في العملية القضائية، وبالتالي تحمل المسؤولية بصفة جماعية لرفع التحدي وكسب رهان تحقيق النموذج التنموي الذي يتطلع إليه جلالته، عدالة قادرة على كسب رهان التنمية لتكون في مستوى انتظارات المغاربة، عدالة تحظى بالمصداقية، والثقة، عدالة مستقلة وفعالة، تربط تحقيق النتائج بالأهداف في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة، عدالة قادرة على أن تكون قاطرة لتحقيق التنمية بمختلف تجلياتها.


وفي هذا السياق أود أن أؤكد لكم أن مكونات السلطة القضائية بما في ذلك رئاسة النيابة العامة، منكبون على دراسة وتحليل الخلاصات التي وردت في التقرير العام للجنة النموذج التنموي الجديد، وذلك بهدف تعميق التشخيص الواقع الحالي لمنظومة العدالة ببلادنا والبحث عن مختلف الصيغ المناسبة والآليات الممكنة لتجاوز كل الاختلالات، وتحقيق أقصى الغايات والأهداف المرجوة من طرح تلك الخلاصات أو من خلال ما قد يتم الوقوف عليه من معطيات أخرى من شأنها تطوير وتجويد العدالة، وذلك حتى تكون السلطة القضائية في الموعد من أجل كسب رهان التنمية ببلادنا.


ختاما أجدد شكري للمكتب المركزي لودادية موظفي العدل على تنظيم هذه الندوة، منوها بأهمية موضوعها وتوقيته، آملا لأشغالها التوفيق والنجاح، والتوصل إلى توصيات وأفكار قابلة للتطبيق، ويكون بمقدورها الإسهام في تقويم العدالة ببلادنا وجعلها قادرة على رفع كل التحديات. 


حفظ الله مولانا الإمام جلالة الملك محمد السادس أعزه الله ونصره وأقر عينه بولي عهده الأمير الجليل مولاي الحسن وشد أزره بصنوه الرشيد الأمير مولاي رشيد وكافة أسرته الشريفة، إنه سميع الدعاء وبالإجابة جدير.


    
    والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.