يشهد العالم اليوم تحولات عميقة بفعل الثورة الرقمية المتسارعة، التي أعادت تشكيل أنماط التواصل والإنتاج والمعرفة، وفرضت واقعا جديدا أصبحت فيه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي عنصرين مؤثرين في مختلف مناحي الحياة العامة، بما في ذلك المجال الديمقراطي والعمليات الانتخابية.
وفي هذا السياق، احتضن المجلس الوطني لحقوق الإنسان مؤتمرا دوليا خصص لموضوع الإشكاليات الانتخابية في ظل التحولات الرقمية، بمشاركة نخبة من الخبراء والفاعلين المؤسساتيين والأكاديميين، وذلك بهدف تعميق النقاش حول سبل توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بما يخدم الديمقراطية ويعزز حقوق الإنسان.
وفي الكلمة التي ألقاها بهذه المناسبة الكاتب العام لرئاسة النيابة العامة، السيد أحمد والي علمي نيابة عن الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، السيد هشام بلاوي ، أكد على أن الانتخابات لم تعد مجرد آلية تقنية لاختيار الممثلين، بل أضحت تجسيدا فعليا للحق في المشاركة السياسية باعتباره حقا أصيلا من حقوق الإنسان، كما هو منصوص عليه في المادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بما يقتضيه ذلك من ضمانات ترتبط بالنزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص وصيانة الإرادة الحرة للناخبين.
كما أبرز أن إدماج الوسائل الرقمية في العمليات الانتخابية أصبح واقعا متقدما في العديد من التجارب المقارنة، حيث باتت التكنولوجيا أداة لدعم المشاركة السياسية وتيسير المسارات الانتخابية وتحسين الولوج إلى المعلومة، مع اختلاف مستويات توظيفها بحسب خصوصيات الأنظمة الانتخابية والسياقات السياسية والمؤسساتية لكل دولة.
وفي معرض تناوله للتحولات الرقمية الراهنة، أكد السيد هشام بلاوي أن الذكاء الاصطناعي على المستوى الدولي، تجاوز بعده التقني المحض ليصبح عنصرا مؤثرا في صناعة القرار وتحليل السلوك وتوجيه السياسات العمومية، وهو ما جعل منه أحد محاور التنافس الجيوسياسي ومحددا أساسيا لما يعرف بالسيادة الرقمية، بما تعنيه من قدرة الدول على حماية معطياتها وبنياتها التكنولوجية وضمان استقلالها في الفضاء الرقمي.
وعلى المستوى الوطني، أوضح أن التحول الرقمي يشكل خيارا استراتيجيا لتحديث الإدارة وتعزيز النجاعة وتطوير الخدمات العمومية، غير أن هذا المسار يظل رهينا بوجود أطر قانونية ومؤسساتية قادرة على تأطير استخدام هذه التقنيات بما يضمن التوازن بين تشجيع الابتكار وصون الحقوق والحريات.
كما توقف عند التحديات التي تطرحها البيئة الرقمية، خاصة ما يرتبط بانتشار المحتويات المضللة والتلاعب الرقمي واستخدام التقنيات والخوارزميات وأدوات الذكاء الاصطناعي للتأثير غير المشروع في المسار الديمقراطي للعملية الانتخابية، الأمر الذي يفرض تطوير آليات قانونية ومؤسساتية أكثر فعالية لحماية نزاهة الانتخابات وصيانة الإرادة الحرة للناخبين.
وفي هذا الإطار، أكد على أن العديد من المنظومات القانونية اتجهت إلى ملاءمة تشريعاتها مع مستجدات الرقمنة، من خلال تعزيز آليات حماية نزاهة العملية الانتخابية وتجريم الأفعال التي من شأنها التأثير غير المشروع في إرادة الناخبين، بما في ذلك استعمال الوسائط الرقمية أو أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج أو نشر محتويات مضللة، وذلك في إطار مقاربة توازن بين حماية حرية التعبير وضمان نزاهة العملية الانتخابية.
كما أشار إلى الجهود التي تبذلها رئاسة النيابة العامة في هذا المجال، من خلال استثمار ما تتيحه الرقمنة من إمكانيات لتتبع وضبط حسن سير العملية الانتخابية، عبر اعتماد تطبيقية خاصة بمعالجة القضايا المرتبطة بالجرائم الانتخابية، بما يساهم في تعزيز النجاعة والسرعة في تتبع هذا النوع من القضايا.
وفي المقابل، أكد على حرص رئاسة النيابة العامة على التصدي الصارم لكافة أشكال الجرائم الانتخابية، بما فيها المرتكبة عبر الوسائط الرقمية أو باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وذلك حماية لنزاهة العملية الانتخابية وصيانة للخيار الديمقراطي للمملكة.
وفي الختام أكد السيد هشام بلاوي على أهمية مواصلة النقاش العلمي والمؤسساتي حول التحولات الرقمية وآثارها على الديمقراطية وحقوق الإنسان، والعمل على بناء بيئة رقمية آمنة وموثوقة، قادرة على مواكبة التطورات التكنولوجية مع ضمان حماية الحقوق والحريات.